اسماعيل بن محمد القونوي
473
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فيكون المجاز في ضميركم فذكر ضميركم فأريد من يتصل بهم للملابسة بينهما كما أطلق اسم زيد وأريد به عمرو لملابسة بينهما بالإخوة ونحوها ثم نسب إلى المخاطبين وهم الأسلاف من اليهود وأخلافهم ما نسب إلى الغير وهو القتل ويحتمل أن يكون مجازا عقليا في إضافة الدماء إلى ضميركم وأن يكون مجازا في الحذف أي لا تسفكون دماء أمثالكم . قوله : ( أو لأنه يوجبه قصاصا ) فيكون مجازا بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب فيكون المجاز في لا تسفكون حيث أريد به ما هو سبب السفك أي لا تفعلوا ما هو مؤد إلى سفك دمائكم والمعنى لا تسفكوا دماء غيركم فتقتلون بسبب ذلك قصاصا فجعل قتل الغير قتلا لنفسه لتسببه عنه وأخره لأنه ارتكاب المجاز قبل مساس الحاجة . قوله : ( وقيل معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم ) فيكون أيضا مجازا بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب والفرق بينهما أن هذا عام للقصاص وغيره كالارتداد بعد الإيمان والعياذ باللّه تعالى والزنى مع الإحصان في صورة القتل وكقطع الطريق في الإخراج وإنما مرضه لمخالفته ما روي فيما سيأتي من أن بني قريظة كانوا خلفاء الأوس وهذا أيضا وجه التمريض في الوجه الآتي إذ على هذين الوجهين لا يحسن الانتظام بين هذه الآية وبين قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 85 ] الآية اللهم إلا أن يراد بهذا القول ما أريد بتلك الآية لكن السباق لا يلائم ذلك المعنى قوله ( وإخراجكم من دياركم ) هذا البيان لا بد منه في الوجه الأول لكن لظهوره لم يتعرض له . قوله : ( أو لا تفعلوا ) يعني ذكر السفك أي القتل وأريد سببه كما مر الإشارة إليه ( ما يرديكم ) أي بهلككم قوله ( ويصرفكم ) عطف تفسير ليرديكم ( عن الحياة الأبدية ) وهي الحياة الأخروية مع الدخول في الجنة العالية الباقية ( فإنه القتل في الحقيقة ) أي في نفس الأمر والمراد بالحقيقة هنا ما يقابل المجاز عند أهل البلاغة بل ما يقابل المجاز عند أرباب الشريعة فإطلاق القتل المعبر عنه بالسفك على هذا القتل مجاز لكونه مستعملا في المعنى الغير الموضوع له وكذا الكلام في إخراج الديار . قوله : ( ولا تقترفوا ) أي لا تكتسبوا تفنن في البيان ( ما تمنعون ) بصيغة المجهول ( به ) قوله : وقيل معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني والفرق بينهما أن هذا نهي عن السبب العام وذاك عن السبب الخاص . قوله : أو لا تفعلوا ما يؤديكم الفرق بين هذا الوجه وبين الوجهين السابقين أن المسبب فيهما خاص وهنا عام . قوله : ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة تفسيرا لقوله وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 ] فهو نهي عن آثام تؤدي إلى الحرمان عن دخول الجنة الأبدية التي هي الدار على الحقيقة والجلاء عنها هو الإجلاء الحقيقي فالإخراج مجاز من باب اطلاق المسبب على السبب قد تدرج رحمه اللّه في بيان الوجوه كما هو دأبه ذكر أولا ما هو الأقرب إلى القبول ثم البعيد ثم الأبعد .